يوسف المرعشلي
70
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
إبراهيم الغلاييني « * » ( 1300 - 1377 ه ) العالم ، المعتقد ، مفتي قطنا ، وإمامها ، وخطيبها : إبراهيم بن محمد خير بن إبراهيم ، الأصيل ، الكيلاني ، القادري ، النقشبندي ، الشهير بالغلاييني ، يتصل نسبه بالشيخ عبد القادر الكيلاني ، وترجع أصول أسرة الأصيل إلى حلب التي استقر بها جد الأسرة الأعلى ، ثم رحل جد المترجم الأدنى الشيخ إبراهيم الأصيل إلى دمشق ، وقطن حي العقيبة في حارة تعرف باسم ( تحت المادنة « المئذنة » ) . ثم انتقل والد المترجم الشيخ محمد خير إلى حي السمانة ، وجاور مسجد السمرقندي . ولد سنة 1300 ه ، في هذا الحي المذكور ببيت متواضع ، ونشأ في حجر والده الذي وجهه أولا للتدرب على البيع والشراء في محله بسوق الخياطين الذي كان يبيع فيه الشراشف والمناشف ، وبعض حاجات النساء وغيرها ، وكان يخلف أباه في حال غيابه ، لكن مزاجه لم ينسجم مع التجارة ؛ فاتجه لطلب العلم الشرعي ؛ فانتسب إلى مدرسة الشيخ عيد السفرجلاني أولا ، ثم ترقى فأخذ عن أعلام عصره كالشيخ محمد عطا اللّه الكسم ، والشيخ محمود العطار ، والمحدث الشيخ بدر الدين الحسني ، والشيخ سليم المسوتي ، والشيخ عبد القادر الإسكندراني ، والشريف المجاهد أحمد بن محمد السنوسي ، وعمر حمدان المحرسي ، ومحمد علي بن حسين المالكي ، وعيدروس بن سالم البار المكّي . أحبه شريك والده في التجارة الشيخ سليم النطفجي ، فزوجه ابنته ، ووصله بالشيخ عيسى الكردي فسلك عليه بالطريقة النقشبندية ، أدخله الخلوة مدة أربعين يوما ؛ فتأدب بأداب القوم سهرا وهمة ودأبا على الطاعة ثم أجازه بها ، وبتعليمها الأكفاء والراغبين ، كما أجازه بكل ما أجاز به شيوخه ، وأذن له بإقامة الختم الكبير والصغير ، وقال له الشيخ عيسى : « الآن يا إبراهيم قد صرت شيخا كاملا ومكمّلا » . أو قيل إنه قال له : « هدمتك يا إبراهيم وبنيتك » . وله إجازات أخرى من مشايخه المذكورين . عيّن إماما وخطيبا ومدرسا في قضاء قطنا ( وادي العجم ) ، ثم مفتيا لها سنة 1330 ه / 1911 م ، وبقي هناك حتى آخر عمره ، خمسين سنة تقريبا قضاها في القرى والبلدان في قطنا وما حولها يعلم ويرشد ويفقه ، ويبعث طلاب العلم إلى القرى للقيام بمصالح القرويين الدينية ، من خطابة وإمامة وتعزيز مقام الدين والإصلاح بين الناس ، ويعمل على إنشاء المساجد في المناطق النائية ، وكان يأمر طلابه الموفدين بجمع الناس على الصلوات ، وتعليمهم القرآن الكريم ، وأمور دينهم نساء ورجالا . وكان يفد عليه أئمة القرى التابعة لقضاء قطنا ؛ يسألونه عما يشكل عليهم في مختلف العلوم العربية والفقهية والفرضية . وكان يهتم بالمسائل الفرضية وحل المناسخات ، والمعضلات التي تستغرق الزمن الطويل . واهتم بتحفيظ طلابه المتون قائلا : « من تعلم المتون نال الفنون » . كان الشيخ ربعة آدم اللون يميل جسمه للنحول بسبب السهر ، خفيف العارضين ، جميل المحيا ، لحيته متوسطة الطول مهذبة ، محفوف الشاربين ، مكحل العينين ، في نظرته تدبر وفتور وعمق ، عليه مسحة الصوفية ، يمشي الهوينا يتقلع فيها ويسرع أحيانا سرعة لا تجارى ، لا يلتفت إذا كلمه أحد ، فإذا وجد ضرورة التفت كلية . عمامته بيضاء على تاج أبيض ، وقلما يكورها على تاج أخضر ، ولا يتكلف بها ، يسدل منها عذبة من الخلف ، يلبس الثياب العربية الإسلامية ، وقد يلبس اللباس المحكمجي « 1 » فهو يلبس ( القمبان الردّ ) وفوقه جبّة ، ويرتدي أحيانا العباءة الوبر في الشتاء ، والعباءة الخفيفة في الصيف ، يتخذ نعلين خفيفين جيدين ولا يغالي في ثمنهما . . لا يتختم أبدا في أصابعه ، تلازمه السبحة أينما كان ، يلازم السواك ويتمنطق به أحيانا ويكثر استعماله ، يحافظ على السنة
--> ( * ) « إتحاف ذوي العناية » لمحمد العربي العزوزي ، و « الروض الفائح بإجازة محمد رياض المالح » ص : 6 ، و « تاريخ علماء دمشق » لمحمد مطيع الحافظ : 2 / 687 . ( 1 ) بنطال فوقه معطف إلى ما تحت الركبة .